حسن حسن زاده آملى
799
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
والثالث كمال ، والرابع فوق كمال ؛ فهذه كلّها مراتب متعاقبة الحصول في الانسان بحسب جوهره وذاته فمن غلب عليه واحدة من هذه الكمالات الثلاثة أعني الحسّي والنفسي والعقلي كان مآله إلى عالمه واحكام نشأته ولوازمها : فمن غلب عليه نشأة الحس والاستكمال بالمستلذّات الحسيّة ، والمألوفات الدنيوية فهو بعد وفاته أليف غصة شديدة ورهين عذاب اليم لان الدنيا ولذاتها أمور مجازية لا حقيقة لها ، والاحساس بها انفعالات تنفعل النفس بها عند الحدوث ويزول بسرعة عنها ولا تدوم ولكن يبقى الأثر والعادة في المحبة والاشتياق فمن عشقها واشتاقها كان كمن احبّ امرا معدوما محبة مفرطة وطلب شيئا باطلا طلبا شديدا وحيث لم يكن لمحبوبه اثر ولا لطلبه ثمر فهو في هذه الحال في غصّة شديدة وألم دائم ، كذلك حال طلبة الدنيا الراغبين في مشتهياتها إلّا أنّهم ما داموا في الدنيا يشتبه ذلك عليهم ويزعمون أن لمحبوباتهم حقيقة فيأكلون ويتمتعون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم لأنه إذا طلعت شمس الآخرة وقامت اضمحلّت بها رسوم المجازات ، وذابت باشراقها أكوان المحسوسات اضمحلال الظلال وذوبان الجميد بحرارة ارتفاع الشمس في أوان الصيف فبقي المحب للدنيا والمحسوسات المادية محترقا بنار الجحيم معذبا بالعذاب الأليم فيكون حشره إلى دار البوار ومرجع الأشرار ومهوى الفسقة والكفار . وإن غلب عليه رجاء يوم الآخرة والميل إلى ما وعده اللّه ورسوله من الجنة ونعيمها وسرورها وحورها وقصورها والخوف من عذاب الآخرة ونار جهنم وآلامها والعمل بمقتضى الوعد والوعيد فمآله الوصول إلى نعيم الجنة والخلاص من عذاب النار . وان غلبت عليه القوة العقلية واستكملت بادراك العقليات المحضة والعلم باليقينيات الحقيقة من طريق البراهين والأسباب العقلية الدائمة فمآله إلى عالم الصور الآلهية والمثل النورية والانخراط في سلك المقربين والقيام في صف الملائكة العليّين بشرط أن يكون عقائده مشفوعة بالزهد الحقيقي خالصة عن اغراض النفس والهوى وعن مشتهيات الدنيا فارغة عن جميع ما يشغل سرّه عن الحق وذلك هو الفضل العظيم والمن الجسيم . وليعلم أن الزهد الحقيقي والنية الخالصة عن شوب الأغراض النفسانية لا يمكن أن يتيسّر إلا للطائفة الأخيرة وهم العرفاء الكاملون دون الجهال الناسكين مع أن الغرض الأصلي من النسك هو تخليص القلب عن الشواغل والتوجه التام إلى المبدأ الأصلي والاشتياق إلى رضوان اللّه تعالى ، وليت شعري كيف يشتاق ويتوجه نحو المبدأ الأول ودار كرامته من لا يعرفهما ولا يتصورهما .